المصالحة كوسيلة للخروج من حلقة العنف

تعاني الجمهورية اليمنية منذ عقود من الصراعات المستمرة التي أدت إلى معاناة كبيرة للشعب اليمني، وقد أكد تصاعد العنف والدمار في السنوات الأخيرة الحاجة الملحة للسلام والمطالبة به.

وفي هذا السياق، تبرز المصالحة كمفهوم حاسم ومتعدد الأوجه في عملية تحقيق السلام المستدام، وبدون فهم أعمق لما تعنيه المصالحة بالنسبة للمجتمعات المحلية المتميزة في جميع أنحاء اليمن في الممارسة العملية، وأفضل السبل لتحقيقها بالطرق التي تعتبرها مناسبة، هناك احتمال حقيقي بأن جهود السلام لن تنتج الثمار اللازمة لاستدامة العملية.

تسعى منصة مسارات المصالحة إلى لعب دور حيوي في إعلام وتنسيق وتضخيم الطلب على السلام والمصالحة، وهي تسعى جاهدة لتعزيز فهم أكثر دقة للمصالحة من خلال التقاط وتبادل الأفكار حول الاحتياجات والتوقعات المحلية التي يمكن أن توجه جهود المصالحة المستقبلية.

بالتوازي، تهدف المنصة إلى تسهيل المصالحة من خلال العمل كمنتدى شامل وتمثيلي ومبتكر يعزز الحوار والتفاهم، ومن خلال المشاورات والاجتماعات بين الأفراد والجماعات، تسعى إلى المساهمة في تهيئة الظروف المحلية لتحقيق السلام وتوفير إطار عمل من القاعدة إلى القمة لليمنيين لتعزيز المصالحة في جميع أنحاء البلاد.

تُظهِر رؤى المجتمع المحلي فهمًا دقيقًا للجهود المطلوبة لتحقيق المصالحة، وهي توجه نهج المنصة تجاه المصالحة. وتعكس هذه المكونات الرغبة في العمل الجاد من أجل التغيير والإصلاح. لقد حدد منسقو منصة مسارات المصالحة الركائز الأساسية التي تدعم شروط عملية المصالحة.

وتماشيًا مع التزام المنصة بنقل الأصوات المحلية، تم إدراج هذه الركائز أدناه لتوضيح المفاهيم المشتركة التي تنشأ من مشاوراتها والتي ترشدها مع مرور الوقت:

تعزيز الشراكات والتواصل: يعد تعزيز الشراكات بين الحكومة والمجتمع المدني والأحزاب السياسية أمراً ضرورياً لتنفيذ خطط المصالحة وتحقيق الاستقرار والسلام.

تعزيز دور المجتمع المدني: يجب على المجتمع المدني تعزيز التواصل والتعاون بين مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك القادة المحليين ومنظمات المجتمع المدني، والسعي إلى تحقيق التوافق بين جميع الأطراف وتعزيز مساهمتهم في المصالحة.

دور السلطة القضائية: إن تعزيز السلطة القضائية أمر بالغ الأهمية لضمان العدالة وإنفاذ القانون، فضلا عن الثقة في مؤسسات الدولة.

• الإقرار بالأضرار والانتهاكات: يجب تسجيل الأضرار والانتهاكات بدقة، وبطريقة تعترف بحقوق وكرامة المتضررين بشكل مباشر وتحافظ عليها. ويستلزم ذلك وضع بروتوكولات شفافة وموضوعية لتحديد المسؤولين.

تعويضات المتضررين: يجب بذل جهود جادة لتوفير التعويضات للأفراد والمجتمعات المتضررة من النزاع والانتهاكات، بما في ذلك التعويض المالي والمعنوي للضحايا.

تعكس ردود الفعل الواردة من المجتمعات المحلية التي استشارتها المنصة درجة كبيرة من التفكير والفهم لمختلف أشكال مفهوم المصالحة:

عدن:

في مديرية البريقة، لدى المشاركين فهم للمصالحة التي تنطوي على تحقيق التوافق والاتفاق بين الأطراف المتنازعة لتطوير مساحة مشتركة مقبولة للجميع. وهذا يشمل منع الصراعات وتنمية الاحترام المتبادل لآراء الآخرين. بالنسبة لهم، يمكن أن تكون المصالحة أيضًا وسيلة لتعزيز التسامح ووضع حد للصراعات بين الأفراد والطبقات الاجتماعية والأحزاب السياسية.

في مديرية التواهي، تستلزم المصالحة حل النزاعات ودياً (قبل اتخاذ إجراء قانوني أو تصعيد النزاع)، مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف المشاركة في النزاع. ويتضمن أيضًا جمع الأطراف معًا لتسوية النزاعات ومعالجة الأضرار التي قد تكون ناجمة عن هذه النزاعات. ومن الأمور الأساسية في هذه العملية تعزيز الحوار العميق بين مختلف شرائح المجتمع للبحث بشكل تعاوني عن حلول تخدم المصلحة العامة وتعالج جميع القضايا بشكل منصف.

في مديرية خور مكسر، المصالحة تعني تنحية الخلافات جانباً وطي صفحة الماضي. وهي أيضًا وسيلة للتوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتنازعة والبدء من جديد. ويمكن أن يتم المصالحة بين أفراد أو جماعات أو حتى دول، بمساعدة طرف ثالث يسعى جاهدا لمساعدتهم على تحقيق المصالحة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف.

الحديدة:

وفي منطقة الضحي، أعرب الأشخاص الذين تمت استشارتهم عن أنهم ينظرون إلى المصالحة باعتبارها بديلاً اجتماعيًا واقتصاديًا مفضلاً عن الأساليب البديلة التي تؤدي فقط إلى وقف العنف أو إنهائه. ويتم ذلك من خلال مصالحات مؤهلة ومتخصصة، ووضع إجراءات مؤسسية وشراكات فعالة بين المجتمع وشركاء الصراع. وتهدف المصالحة في نظرهم إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي وإيجاد الفرص لجميع فئات المجتمع للاستثمار في الوطن وبنائه. يعتقد المشاركون أن تعزيز ثقافة المصالحة في المجتمع يعد هدفًا مهمًا، حيث يريدون تحويل المصالحة إلى بديل مفضل اجتماعيًا واقتصاديًا للأساليب التي توقف العنف أو تنهيه.

وفي مديرية الدريهمي، اختلفت آراء المستشارين حول فهم المصالحة، إذ اعتبرها البعض توافقاً في مواقف المتعارضين وتسوية للخلافات بين الأطراف. واختلفت وجهات نظرهم حول ما يمكن أن يشكل مصالحة، لكنهم تقاسموا في نهاية المطاف الرغبة في السلام وإنهاء الصراعات.

في مديرية الخوخة، هناك فهم بأن المصالحة هي وسيلة لحل النزاعات بين الأطراف المتعارضة، بغض النظر عن الطرف الذي قد يكون متورطا في النزاع. ويسعون إلى تعزيز مفهوم التعايش السلمي بين جميع الأطراف بهدف تحقيق وطن خال من الصراعات.

في مديرية التحيتا، المصالحة تعني طي صفحة الماضي والتركيز الحقيقي على الحاضر والمستقبل. وفي هذا السياق، من المهم بالنسبة لهم أن يستخدم الجميع الدستور ونتائج المساهمات المحددة وطنيًا كمرجع. ويعتقد المشاركون أن احترام سيادة القانون هو أساس المصالحة. كما يطمحون إلى حياة آمنة وهادئة، وتسهيل التنقل بين المحافظات من خلال إعادة فتح الطرق.

وفي مديرية باجل، يرى المشاركون أن المصالحة وسيلة للاجتماع على طاولة الحوار وتحقيق الحلول الأساسية التي يتفق عليها جميع الأطراف. وتشمل أهدافهم للمصالحة إنهاء الحرب ومعالجة المظالم وتوفير سبل الانتصاف والتعويض للضحايا. كما أنهم يسعون إلى تحقيق الانتعاش الاقتصادي، ودفع الرواتب، والإفراج عن جميع المحتجزين، وتسهيل عودة النازحين كنتائج نهائية لعملية المصالحة.

تعز:

وفي مديرية المخا، يرى المشاركون أن المصالحة وسيلة للإصلاح الذاتي وحل النزاعات الخاصة والعامة. ويطمحون إلى وقف الصراعات المسلحة وتحقيق السلام من خلال الحوار بين كافة الأطراف. ويعتقدون أيضًا أن عملية المصالحة يجب أن تهدف إلى توفير الأمن للمجتمع من خلال تلبية احتياجاتهم الأساسية وتعزيز ثقافة قبول آراء الآخرين ووضع مصلحة البلاد كأولوية.

في منطقة الشمايتين، يفهم المستجيبون المصالحة كوسيلة للحفاظ على الاحترام المتبادل وتحقيق العدالة والسلام في المجتمع. ويعتبرونها وسيلة لحل النزاعات بين أفراد المجتمع والتعايش بسلام، وإعطاء الأولوية للحقوق والحريات، ووضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية.

وفي مديرية التعزية، يعتقد المستشارون أن عملية المصالحة يجب أن تعزز الاستماع إلى وفهم آراء وملاحظات مختلف اليمنيين. إنهم يدعون إلى بذل الجهود لحل النزاعات وتوحيد الفصائل وإزالة الانقسامات. علاوة على ذلك، يؤكدون أن الهدف من عملية المصالحة يجب أن يكون تحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع. ويؤكدون أن المصالحة تتطلب التسامح وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.

وفي منطقة ذو باب، تستلزم المصالحة إنهاء النزاع وضمان العدالة من خلال محاسبة مرتكبي الجرائم. ويدعو المستشارون إلى التعويض وجبر الضرر للضحايا وتحقيق الاستقرار بعد الحرب. كما أنهم يفهمون أن المصالحة تشمل نزع سلاح الميليشيات الحوثية، وتوسيع الحكم المحلي، وخلق فرص العمل، ومعالجة التداعيات الاقتصادية للحرب، وتجميع موارد الدولة وإدارتها بكفاءة.

تعز:

وفي مديرية المخا، قال الناس إن وقف الجماعات المسلحة وإنفاذ القانون والنظام خطوات أساسية لضمان السلامة والاستقرار، وهما شرطان أساسيان لنجاح أي جهود للمصالحة. كما أكدوا على أهمية دعم الحكومة في استعادة الحقوق وإعادة بناء الدولة. علاوة على ذلك، اقترحوا منح العفو لأولئك الذين ارتكبوا مخالفات في الماضي لتشجيع المزيد من المشاركة النشطة في عمليات المصالحة. كما دعوا إلى فتح المعابر والطرق لتسهيل عودة المواطنين إلى منازلهم، وخلق فرص عمل للشباب لإثناءهم عن الانضمام إلى الجماعات المسلحة.

وفي مديرية الشمايتين يعتقد الأهالي أن المصالحة تتطلب اتخاذ خطوات لمنع تكرار الحرب، بما في ذلك فتح قنوات واسعة للحوار بين الأطراف المتنازعة والمجتمع. ويجب أيضًا تحديد “المناطق العازلة الشبكية” لمنع الجماعات المسلحة من التسلل إليها. إن تجنب التدخلات الخارجية، ومخاطبة العقل، وتقديم التنازلات من قبل كافة القوى السياسية المحلية، هي أيضاً جزء من الخطوات المقترحة للمصالحة. كما شجع المشاركون على تعزيز دور المجتمعات المحلية ووضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبار طائفي أو سياسي.

وفي منطقة التعزية، يعتقد الناس أنه لكي تنجح المصالحة، يجب اتخاذ خطوات مثل إصلاح مؤسسات الدولة وإعادة صياغة الأطر الدستورية والتشريعية التي غذت الصراع في الأصل. وينبغي أن يتماشى الخطاب الإعلامي مع تعزيز السلام والتضامن، في حين يجب إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية وتوجيهها نحو تحقيق مصالح الوطن وشعبه. علاوة على ذلك، يجب إقالة القادة المسؤولين عن تأجيج الصراع من مناصبهم ومحاسبتهم.

وفي منطقة ذو باب، ينبغي لجهود المصالحة أن تعطي الأولوية لتمكين الهيئات القضائية وآليات العدالة الانتقالية المحلية/المجتمعية البديلة ذات الولاية القوية لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان. ويجب أن يتضمن أي حوار تحقيقا حقيقيا في الانتهاكات، بما يؤدي إلى انتقال سياسي بمشاركة الشعب وليس بدافع من مصالح الفصائل السياسية. ويجب تعزيز حماية حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات. ودعا المستشارون إلى اعتماد النهج القائم على الحق في جميع جوانب عملية السلام والأمن. وأخيرا، يجب محاسبة القادة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.