كتبت علا محمد (الجوبة – مأرب)
تقع مديرية الجوبة في الجنوب الغربي لمحافظة مأرب يحدها من الشمال مديرتي الوادي والمدينة ومن الجنوب مديريتي الجبل ورحبه ومن الشرق مديريتي الوادي وحريب ومن الغرب مديرية صرواح ومديرية بني ضبيان صنعاء، عدد السكان 35.000 نسمة تقريبًا مميزات المديرية أنها تتميز بمناخ صحراوي حار، ومناخ بارد خصوصا جنوب المديرية جبال السحل والتي تشتهر بزراعة الفواكه البلس والمانجو والبرتقال وكذلك الحبوب والخضروات ويمارس أغلب السكان إلى جانب الزراعة الرعي، رعي الإبل والأغنام ويعتبر مجتمع الجوبة مجتمع محافظ يحافظ على العادات والتقاليد الاجتماعية ومجتمع متعلم ومثقف. وتعتبر الجوبة إحدى أهم المجموعات القبلية في اليمن. كما تتميز محافظة مأرب بأهميتها الاستراتيجية لما تتميز به من موارد طبيعية أهمها احتياطات النفط والغاز. لقد كان هذا المجتمع منطقة دفاع ونقطة محورية للفصائل المتحاربة. فالمعارك المتواصلة ومحاولة السيطرة على مأرب لعبت دورًا مهما في الصراع الدائر. فقد شردت الحرب الكثير من الأسر ما أضطرهم للعيش تحت ويلاتِ النزوح، وتشكلت فجوة كبيرة من المعاناة أبرزها شُح الخدمات الأساسية، النزوح، ناهيك عن ذخائر الموت الصامت والخسائر الإنسانية والمادية التي لحِقت بحصاد عمر الإنسان في هذا المجتمع.
كل هذه كانت تحديات صعبة تشَارك في إرثِها وتَقاسَم عناءها أبناء هذا المجتمع لسنواتٍ طويلة من الصراع، لقد حُمصت معاناتهم بقالب الفقد والجزع فلا يخلو بيتًا إلا والتهمته ندبة الفقد وكل ذلك شاهدًا على مرونة أبناء هذا المجتمع وأرواحهم الفذة التي ما إن يخطو سيل عرمٍ لداريهم إلا رأيتهم كالبنيان المرصوص.
تقول بشرى وهي إحدى نازحات مديرية الجوبة ” لقد استشهد زوجي وهي ليست الفاجعة الأولى، فقد رحلوا عنا أخوتي الأربعة أيضًا، وهذا حال الكثير هنا، إن ندوب الفقد جلية في ملامحنا وعزاؤنا لا ينضب، لكننا نؤمن أن دماءهم لم تهدر عبثًا وسيأتي اليوم الذي نشكرهم على تضحياتهم”.
ناهيك عن الخسائر المادية التي لحقت بالبنية التحتية لهذا المجتمع لقد تهاوت البيوت، ودكت الحرب مأوى المساكين، وزحف الناجون نحو غياهب النزوح فرُسمت عليهم ملامح البؤس والخيبة.
القضايا والمخاوف السائدة:
يقول عبدالعزيز وهو أحد سكان هذه المديرية ” إن السؤال عن العواقب التي لحقت بنا هو سؤال صعب جدًا ومؤلم، لقد أثرت بنا الحرب بلا هوادة، إن الندوب العاطفية ترتسم على وجوه الجميع، لكن ما يمنحنا الرضا هو أننا لم نستسلم ودفعنا من أجل حريتنا الدم والأرواح، مِنا من مات ومنا من جُرِح ومنا من فُقد ومنا من تهاوى منزله فأصبح خرابًا يعلوه رماد القصف فأصبح مشردًا لا يملك عدة أو عتاد” الأمر لا يقتصر على الدمار المادي، فقد خلفت الحرب ندوبًا عاطفية عميقة أيضًا.. تقول الخالة ساجدة وهي أحد سكان الجوبة ” كنت أستيقظ كل صباح بقلبًا مقبلًا على الحياة، أرعى غنماتي وأتفقد زرعي، وتكون لرئاتي حظًا وافرًا من الهواء الطلق، فجأة أجدني مجبرة على النزوح، تحيط بي الجدران ويخنقني هواءها الكئيب.
وما كان لجريمة زرع ذخائر الموت الصامت “الألغام” التي تم زرعها على نطاق واسع وعشوائي أن تغتفر، وما كان لها أن تلتهم من تبقى ومن سلم، أو أن ينالها التسويف والإفراط.
وما كان لها أن تبقى صامتة تلتهم ضحاياها بغتة متى تسنى لها ذلك، أو أن تتحول إلى طبيعة معتادة، بل أن يؤخذ في شأنها موقف جاد، أن تُطهر الأراضي والممرات بشكلٍ جذري. فكانت هذه إحدى الأولويات المُلحة لسكان هذه المديرية.
لقد تميز هذا المجتمع بأنه مجتمع معلم ومثقف، ولعدم توفر صروح تعليمية للتعليم العالي، ينتشر شبابه في ربوع المحافظات والدول لقصد العلم، فمنهم الأساتذة، الدكاترة والمهندسين. ولكن كان للتعليم نصيبه الوافر من إرث الحرب، وكان للحرب توجهها القاسي في حرمان متضرريها من أبسط الخدمات التي هي ركيزة ضرورية للتعايش والسلام، فلا انسجام مع الحضارات دون بلوغ النصب من العلم، ولا سلامًا سيدوم دون تعزيز العملية التعليمية والعلمية بأشكالها المختلفة. لقد كان قطع الممرات الإنسانية بمثابة تحديًا يجبر الكثير من الطلبة وخصوصًا الطالبات بإيقاف عملية السير نحو الحلم حتى إشعار آخر..
تقول ثريا وهي طالبة ” إننا كطلبة نعي فداحة الأمر في التنازل عن حقنا في مواكبة العلم، والتفريط الخاسر بحقوقنا، أننا لا نملك من الأمر شيء، الذي أعلمه أنني في غاية البؤس فأحلامي التي كان من المفترض أن تصبح وهجًا يبهجني أصبحت نارًا تلسعني، ولكنني أعلم أن أننا سنعود وللحلم بقية.”
كما أضافت وثيقة وهي أخصائية نفسية.. “لقد انتقلت عن مديريتي من أجل الدراسة ولكنها كانت وجهة أقصدها في الأعياد والمناسبات والعطل، كانت لدي انتماء، الشيء الذي افتقده الآن. ولا يزال القصور في الوصول للخدمات الأساسية وفارق العملة وتدهور الوضع الاقتصادي يخلق قلقًا لا ينضب ويهوي بهم في ظلال دائمة من عدم اليقين ويخلق منه تحديًا صعبًا يخنق في حلقته الكثير من الأسر.
تقول منى وهي أحد النازحين ” تعاني الأسر من شح في الخدمات الأساسية، ناهيك عن حرمانهم من الأمن الغذائي، من يملك أرضًا، حصادًا، غنمًا.. إلخ يبتاعها بثمنٍ بخس ليتسنى له ولأسرته حق العيش.
وأختمت قائلة.. ” الجميع يطالب بالسلام، ولن تتشكل ولادته من جديد دون معالجة هذه القضايا، والسير بمخاوف الناس لبر الأمان. ولن يتم هذا إلا بتوصيل أصواتنا ومشاركة معاناتنا والأخذ بها بحتمية.
وفي ظل تبعاتِ هذه الظروف المؤرقة كان لأفراد مجتمع الجوبة توجه واحدًا، وطنًا يتخلله سلام دائم، وكلهم أمل أنها ما رويت تربتهم بدماء أبطالهم إلا وسينبت مكانها سلامًا يُعجب الناس أنسه وتعالج به الندوب من كل جانب.
ومع كل يوم يزداد الناس التحامًا على مشاكلهم المشتركة وعلى شرف المطالبة بالسلام، أطلق الناس هتافهم، حزموا أمرهم، واستعذبوا جراحهم، وكفاحهم. إن تطلعاتهم للوصول للسلام المستدام والمصالحة ماهي إلا مرآة لأماني الملايين من اليمنيين. فعلى منصة البسطاء ستتشكل ولادة مستقبل جديد، يفتش كلًا منهم عن الأمل، عن الضوء، فتتلاقى المواكب، وتحتشد الهمم في مهمة تعويض المعجزات المهدورة.
إن أقرب توصيف لمعاناة الناس وتطلعاتهم هو إرغام المستحيل، وتطويع الصعاب، واستدعاء المعجزة.
بذلك يتعين على المجتمع الدولي الانصياع لمتطلبات هؤلاء الأبطال، بتوفير الدعم والموارد ومنصة لسماع أصواتهم، وإيجاد الحلول الجذرية.
شارك هذه المادة مع أصدقائك!
بحث

آخر الأخبار

الوسوم






